من «حي على الوداد» إلى «القبة الخضراء».. كيف يمزج ابن بني سويف الدكتور جابر بغدادي بين تزكية النفس، التصوف السني المعتدل، والخدمة المجتمعية؟
من العلم إلى السلوك.. ومن المحبة إلى العمل

في زمن تتعدد فيه الخطابات الدينية، وتختلف طرق تقديم المفاهيم الإسلامية إلى الجمهور، يبرز اسم الشيخ الدكتور جابر بغدادي، الداعية المصري ابن محافظة بني سويف، من خلال خطاب يضع «المحبة» و«تزكية النفس» و«الوسطية» في قلب رسالته الدعوية.
ومن بني سويف إلى القاهرة، ثم إلى عدد من الدول العربية والإسلامية، حمل بغدادي مشروعه المعروف بـ«حي على الوداد»، مقدمًا رؤية تقوم – بحسب خطابه الدعوي – على الجمع بين العلم والسلوك، وبين الالتزام بالشريعة والتربية الروحية، مع حضور واضح لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته، والدعوة إلى تهذيب النفس وحسن التعامل مع الآخرين.
ولا يقدم بغدادي التصوف باعتباره انعزالًا عن الحياة، وإنما يربطه في دروسه ومجالسه بتزكية الإنسان وإصلاح سلوكه، وهو ما يظهر في حديثه المتكرر عن «التصوف السني» باعتباره طريقًا للتربية والإحسان ومجاهدة النفس.
«حي على الوداد».. حين تصبح المحبة منهجًا
عنوان «حي على الوداد» لم يكن بالنسبة إلى بغدادي مجرد اسم لنشاط أو لقاء، وإنما أصبح محورًا حاضرًا في كثير من دروسه ولقاءاته.
وفي حديث سابق له، أوضح أن الفكرة تقوم على الدعوة إلى الأخلاق وعبادة الله واتباع النبي صلى الله عليه وسلم بالحب، مؤكدًا أن الإسلام جاء رحمة للإنسانية، وأن المحبة يمكن أن تكون مدخلًا إلى إصلاح السلوك وبناء العلاقات بين الناس.
ومن هنا تتقاطع في مشروعه مجموعة من المفاهيم: القرآن والسنة، السيرة النبوية، تزكية النفس، الأدب والسلوك، ومفهوم الإحسان؛ وهي موضوعات حاضرة في دروسه ومادته الدعوية، مع تركيز على ما يصفه بالتصوف السني المعتدل.
الوسطية.. من الفكرة إلى مجالس العلم
من أبرز المساحات التي يظهر فيها هذا التوجه «مجالس النور العلمية»، التي يشرف عليها بغدادي، والتي توسعت أنشطتها لتصل إلى القاهرة وبني سويف وعدد من محافظات الوجه القبلي.
وتتناول هذه المجالس عددًا من العلوم الشرعية والموضوعات المرتبطة بالقرآن والسنة والسيرة والتزكية، في محاولة لتقديم الخطاب الصوفي في إطار تعليمي وتربوي، يقوم على الوسطية وفهم الدين وربط العلم بالسلوك.
وفي هذا السياق، يركز خطابه على أن التربية الروحية لا تنفصل عن الالتزام بالشريعة، وأن التصوف – في تصوره – ليس هروبًا من الحياة أو ابتعادًا عن مسؤولياتها، وإنما وسيلة لتربية الإنسان على الإحسان ومجاهدة النفس وتحويل القيم الدينية إلى سلوك عملي.
آل البيت.. مساحة حاضرة في خطابه
تحظى محبة آل البيت بمكانة واضحة في خطاب جابر بغدادي، سواء في حديثه عن التراث الصوفي المصري أو في الفعاليات والأنشطة المرتبطة برسالته.
وفي أحاديثه عن مساجد ومقامات آل البيت، يربط بغدادي بين محبة آل البيت وبين الحفاظ على التراث الديني، مؤكدًا أهمية تقديم هذه المحبة في إطار من الاعتدال والوسطية بعيدًا عن التعصب والغلو.
كما ارتبطت هذه الرؤية بأنشطة اجتماعية وخدمية تحمل اسم «زاد آل البيت»، في إطار يجمع بين البعد الديني والعمل المجتمعي وخدمة المحتاجين.
من الدعوة إلى خدمة الناس.. القبة الخضراء نموذج للمشاركة المجتمعية
ولا تقف فكرة المحبة في تجربة جابر بغدادي عند حدود الدروس والمجالس والحديث عن تزكية النفس، وإنما تمتد إلى العمل المجتمعي وخدمة الناس، وهو ما يظهر من خلال نشاط مؤسسة القبة الخضراء لإحياء التراث، التي ارتبط عملها بمساعدة الفقراء والمحتاجين وإطعام الطعام في محافظة بني سويف.
وتقدم المؤسسة نموذجًا للمشاركة المجتمعية من خلال السعي إلى الوصول إلى الأسر الأكثر احتياجًا وتقديم الطعام والمساعدة لها، في إطار يربط بين المحبة باعتبارها قيمة دينية وبين ترجمتها إلى فعل اجتماعي ملموس.
وقد تحدث بغدادي في مناسبات سابقة عن تجربة المؤسسة في إعداد الطعام وتوصيله إلى المحتاجين، مؤكدًا أن خدمة الناس وإطعام الطعام من صور المحبة التي يحرص على ترسيخها في المجتمع.
ويظهر هذا البعد بصورة أكثر اتساعًا في المبادرات التي تجمع بين المؤسسات الدينية والمجتمعية، ومن بينها مشروع «زاد آل البيت» الذي شهد تعاونًا بين مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني لتوزيع وجبات مجانية على الأسر الأولى بالرعاية، بمشاركة جابر بغدادي ومؤسسات مرتبطة بمشروعه المجتمعي.
كما امتد حضور مؤسسة القبة الخضراء إلى جانب آخر يتعلق بإحياء التراث الديني، من خلال الاهتمام بالمناطق والمواقع ذات القيمة الدينية والتاريخية، بما يربط بين العمل المجتمعي والحفاظ على الذاكرة والتراث.